عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

143

أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور

تجهّزي بجهاز تبلغين به * يا نفس قبل الرّدى لم تخلقي عبثا وروى ابن أبي الدنيا ، أنّ محمد بن واسع دخل على بلال بن أبي بردة ، فسأله عن القدر ، فقال له : جيرانك من أهل القبور ، فكّر فيهم ، فإن فيهم شغلا عن القدر . وعن مغيث الأسود الزاهد ، قال : زوروا القبور كل يوم تفكر كم . وقال النصر بن المنذر لإخوانه : زوروا الآخرة بقلوبكم ، وشاهدوا الموقف بتوهمكم ، وتوسدوا القبور بقلوبكم ، واعلموا أن ذلك كائن لا محالة ، فاختار لنفسه ما أحب من المنافع والضرر . وقال أحمد بن أبي الحواري : سمعت مضر بن عيسى يقول : رحم اللّه قوما زاروا إخوانهم بقلوبهم في قبورهم ، وهم قيام في ديارهم ، يشيرون إلى زيارتهم بالفكر في أحوالهم . وعن عبد اللّه بن المبارك : مرّ برجل راهب عند مقبرة ومزبلة ، فناداه فقال : يا راهب إن عندك كنزين من كنوز الدنيا ، لك فيهما معتبر : كنز الأموال ، وكنز الرجال . وقال ابن أبي الدنيا « 1 » : حدثنا محمد الصبغي ، قال : انتفض غنّام بن علي يوما وهو مع أصحابه ، فقال له بعضهم : ما الذي أصابك ؟ قال : ذكرت اللحد . قال « 2 » : وحدّثنا محمد بن أحمد ، قال : قال هشام الدستوائي : ربما ذكرت الميت إذا كفن في أكفانه فأعظ نفسي . ومما يروى لابن المبارك « 3 » : إنّ الذي دفن الأباعد * والأقربين صاعدا فصاعدا عساك يوما تذكّر الملاحدا * يا من يرمي أن يكون خالدا شربت فاعلمه حديدا باردا * لا بدّ تلقى طيبا وزائدا قال ابن أبي الدنيا : أنشدني الحسين بن عبد الرحمن : ليبك لأهوال القيامة من بكى * ولا تنسينّ القبر يوما ولا البلى كفى حزنا يوما ترى فيه مكرما * كرامته أن يرتدوا جسمه الثّرى

--> ( 1 ) « القبور » ( 162 ) . ( 2 ) . ( 163 ) . ( 3 ) انظر المصدر السابق ( 193 ) .